الشيخ محمد علي طه الدرة
163
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
وصار في ذلك عنده ، وعند بني إسرائيل أصلا مقررا ، كما هو عندنا الآن معاشر أهل السنة : أن اللّه لا يرى في الدنيا ، لأنه أخبر : أنّه لا يرى ، والخبر واجب الصدق ، وكما أنه أخبره أنه لا يرى في دار الدنيا ، فقد وعد الوعد الصادق عز وجل برؤيته في الدار الآخرة ، وتخصيص ذلك بالمؤمنين ، وبعد استقرار هذا المعتقد طلب بنو إسرائيل الرؤية تعنّتا ، أو شكّا في الخبر ، فأنزل اللّه تعالى بهم العقوبة . وكيف تخيّل الزمخشري وشيعته : أنّ موسى عليه السّلام طلب من اللّه ما لا يجوز عليه ، وهل هو لو كان الأمر على ما تخيّله إلا كبني إسرائيل ؟ ! ومعاذ اللّه لقد برأه اللّه من ذلك ، وكان عند اللّه وجيها ! هذا وطلب رؤية اللّه في الدنيا ليست أول مفاسد بني إسرائيل ، وجرائمهم ، فقد ذكر أبو بكر بن أبي شيبة ، عن قيس بن عباد : أنّ بني إسرائيل قالت : ما مات فرعون ، وما كان ليموت أبدا ! قال : فلم يعد أن سمّع اللّه تكذيبهم نبيّه عليه السّلام ، فرمى به على ساحل البحر ، كأنه ثور أحمر يتراآه بنو إسرائيل ، قال تعالى في سورة ( يونس ) على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام : فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً رقم [ 92 ] فلمّا اطمأنوا ، وبعثوا من طريق البر إلى مدائن فرعون ، حتى نقلوا كنوزه ، وغرقوا في النّعمة ؛ رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ فزجرهم موسى ، وقال : أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ الآيتان من سورة ( الأعراف ) رقم [ 138 ، 140 ] . ثمّ أمرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدّسة ، التي كانت مساكن آبائهم ، ويتطهروا من أرض فرعون ، وكانت الأرض المقدّسة في أيدي الجبّارين ، قد غلبوا عليها ، فاحتاجوا إلى دفعهم عنها بالقتال . فقالوا : أتريد أن تجعلنا لقمة للجبّارين ، فلو أنك تركتنا في يد فرعون كان خيرا لنا ؟ ! قال اللّه تعالى حكاية عن موسى عليه السّلام : يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ إلى قوله : قاعِدُونَ سورة ( المائدة ) رقم [ 21 ] وما بعدها ؛ حتى دعا اللّه عليهم ، وسمّاهم فاسقين فبقوا في التيه أربعين سنة عقوبة لهم ، قال تعالى في سورة ( المائدة ) رقم [ 26 ] : قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ . ثمّ رحمهم اللّه ، فمنّ عليهم بالمنّ ، والسّلوى ، والغمام ، انظر الآية رقم [ 57 ] الآتية ، ثمّ سار موسى إلى طور سيناء ليجيئهم بالتّوراة ، فاتّخذوا العجل ، كما رأيت في الآية رقم [ 51 ] ثم قيل لهم : قد وصلتم إلى بيت المقدس ، فأدخلوا الباب سجّدا ، وقولوا : حطّة ، الآية رقم [ 58 ] الآتية ، وكان موسى - على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - شديد الحياء ستّيرا ، فقالوا : إنه آدر ، فلما اغتسل وضع على الحجر ثوبه ، فعدا به الحجر إلى مجالس بني إسرائيل ، وموسى على أثره عريان ؛ وهو يقول : يا حجر ثوبي ، فذلك قوله تعالى في سورة ( الأحزاب ) رقم [ 69 ] : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا . ثمّ لما مات هارون في التيه . قالوا له : أنت قتلت هارون ، وحسدته ، حتى نزلت الملائكة بسريره وهارون ميّت عليه . انظر ما ذكرته في آية المائدة رقم [ 26 ] . ثمّ سألوه أن يعلموا آية في